الشيطان المُستبد بقناع ملاك ( نساء كازنوفا) - تمام نصر
الشيطان المُستبد بقناع ملاك ( نساء كازنوفا)
الساعة 12.23 بعد منتصف ليل السابع عشر من كانون الثاني
2017 أغلقت الرواية وحاولت النوم ، لكن عبثا ً ما حاولت فأمسكت جوالي وبدأت بإرسال
الرسائل إلى أصدقائي بأنني عاجز عن النوم و أرغب بالخروج إلى الشارع و الصراخ ، ثلاثة
أيام قبل ذلك كانت الأمر مختلفا ً ، نمت و أنا أحمل معاناة (مباركة) في اللاشعور لتتجسد
كابوسا ً رأيت فيه طفلاً مسخا ً فاستيقظت مرعوبا ًعلى صوت آذان قريب وغريب ، لا يشبه
الآذان الذي أسمعه عادة ً وحتى كتابة هذه السطور لا أعرف حقيقة إن كان ما سمعته حقيقة
ً أم بقايا حلم وأنا أتخيل أن شخصاً ما يراقبني في الغرفة ، الكتابة عن رواية كنساء
كازنوفا أعادني إلى سنوات المدرسة الابتدائية حين يطلب منا المعلم أن نكتب موضوع (
إنشاء) فأبقى مُعلّقَا على كتابة الكلمة الأولى ساعات وساعات فإذا ما كتبتها انسكبت
بعدها الكلمات كشلال ٍ.
لطالما صوّرت المرويات و اللوحات الفنية الشيطان بقرون ووجه
مرعب و لكن هل الشيطان كذلك ؟ لو كان كذلك لما استطاع أن يكون وسيلة إغراء لولا أنه
يتلبس بوجه مغو ٍ و كلام كموسيقى ساحرة ، هكذا كان الحال مع كازانوفا .
قبل صدور الرواية و تغيير واسيني الأعرج للعنوان من نساء
البطريرك أو خريف البطريرك إلى نساء كازنوفا و حتى الصفحات الأولى لم أكن لأتوهم سوى
أن الرواية فيها ما فيها من حالات عشق فالعنوان المتناص مع رواية ( كازنوفا ) كما اعتدنا
في عدة روايات سابقة في الذهاب تجاه عناوين عالمية عرفها الأدب في العالم ( أصابع لوليتا)
، ( 2084 حكاية العربي الأخير) ، هذه المرة كان العنوان مراوغا ً ، لنكتشف فيما بعد
شيئا ً آخر ، سأحاول في الأسطر التالية أن أقدم قراءتي الخاصة التي قرأت فيها ما بين
السطور و رأيت في الرواية أبعاداً ربما لم يقصدها الكاتب :
- كما قلت أن العنوان كان ملغوما ً لاستشعر بعد السطور الأولى
شعورا خاصا أن الرواية إسقاط لعالم عربي غارق
في القتل و الدم بين ديكتارتويات فعلت ما فعلت و تُجار الدين حين يأخذون الدين إلى
أقصى تطرفه و يسلبون منه الأخلاق ليبقى فقط متلبسا ً بالمصالح الضيقة و السياسة القاتلة
، و حين انفجر الشعب تبدأ عمليات انتقام قاسية كرد فعل على المُستبد
الرواية تروي قصة رجل لديه من السلطة والمال ما له وكثر منا
يعرف هكذا أشخاص في بلده لهم أذرع كالأخطبوط تصل لكل مكان دون أن يعرف ضميره الحرام
أو الأخلاق ضمنيا ً ويغلف كل تصرفاته بفعل الخير عبر جمعيات خيرية تعطي الفتات في سبيل
تبييض الأموال ، هذا الرجل لوط أو الملقب بكازنوفا لكثرة علاقاته اللامشروعة و زيجاته
و الذي بدأ يذوي و صار للموت أقرب منه للحياة يطلب من شيخه أن يستدعي نساءه وطليقاته
ليطلب السماح منهن قبل ملاقاة ربه بينما أولاده يجتمعون في غرفة لأيام متواصلة لتنصيب
خليفة له و هنا تنفتح الرواية على حكايات نساء كازنوفا اللواتي يحملن من المآسي ما
يحملن ، كل امرأة تحكي وجعها و ألمها ، كل امرأة له صفاتها ، هنا النساء يصبحن هن الفاعلات
، بعد أن كن مفعول بهن ، هنا على كل امرأة مستضعفة أن تنتقم ولو بأضعف الإيمان أن تقول
ما بداخلها و ماذا فعل بها كازنوفا الذي لا يقوى على الكلام بل تظهر فقط ردود أفعاله
عبر جحوظ عينيه و ألمه مما سمع خاصة من نسوة عرفن كيف ينتقمن منه بقسوة خصوصا ً ( روكينا)
الطالبة التي فقدت عذريتها حين تفاجأه بأشياء أقرب للخيال ، هنا مع روكينا ربما سيعيش
القارئ شعورين متناقضين ، بين تبرير ما فعلت و بين اللوم وأنه كان عليها أن تضع ملحا
ً على جرحها وتسكت ، بالنسبة لي روكينا اختارت الحياة و الحب و أولا ً اختارت أن تكون
صادقة مع نفسها و قلبها
- أما مع شخصية الخادمة مباركة لم أكن لأستطع تمالك نفسي
من كم الألم الذي شعرت به ، هنا لا أعرف كيف استطاع واسيني الأعرج أن يدخل إلى عمق
المرأة بل ويجعل القارئ في تلك الأسطر حتى ولو كان رجلاً يصل إلى شعور بأنه هو المرأة
مباركة التي اغتصبت ثم ذهابها إلى المقبرة و ما حصل بعدها في حمام النساء و مشرحة المشفى
الذي عملت به ، صحيح أنها ليست المرة الأولى التي يكتب واسيني بلسان امرأة - نصوص امرأة
سريعة العطب مثلاً - لكنه هنا كان أعمق في تلمس الوجع الإنساني .
- مع ساراي أخذنا تجاه مناطق مجهولة لنا في المشرق العربي
، صحراء توات في موريتانيا و تلك المرأة التي تضج أنوثةً و صخبا ً ومعها دخلنا غرفة
نوم كازنوفا بليال ٍ مجنونة حد الذروة أوصلته لها ساراي .
أيضاً مع كل امرأة عشنا حالة مختلفة ، لالة كبيرة( مدام بلانش)
أو الفنانة زينا
-في الرواية خطوط أخرى لا تقل أهمية ،( كابي ) الابن غير
المعترف به للوط الذي يظهر في الصفحات الأخيرة صاحب اللمسة الأخيرة و الفعل الأقوى
والمعبر عن ظلم عميق لأناس نبذتهم السلطة ( الوطن) ليتلقاهم أصحاب الفكر الظلامي الذي
يظهر بالرواية كشريك لأصحاب المال والسلطة و هذا الفكر الذي لديه الأدوات و القدرة
على الفعل يوفر الملجأ لكابي كما اعتقد بينما لم يستطع ( خلدون ) المثقف الجالس دوماً
في المقهى - ( إشارة لسلبية و ضعف المثقف العربي الحالي وعجزه عن الفعل الحقيقي للتغيير)
- لم يستطع التأثير العميق بشخصية كابي على الرغم من علاقته العميقة به ففي حالة اليأس
لجأ كابي إلى الدين و التطرف ، وعلى الرغم من ذلك في لمحة إنسانية بسبب قلبه الطيب
وتربيته على يد مباركة يسعى كابي لتلبية طلب الطفلة السورية باللعب معها بالطائرة الورقية
، ليان التي تظهر بداية الرواية الطفلة الهاربة من جهنم سوريا تظهر في النهاية بختام
مشهد مأساوي تجد أيادي القتلة الظلاميين بانتظارها ليوجعنا واسيني هنا وتسيل دماؤنا
مع الصفحات الأخيرة
مما وجدته في هذه الرواية أنه لأول من خلال قراءتي لعدد من
روايات واسيني الأعرج لم أجد شخصية الأديب واسيني متسربة ً بين السطور كما العادة منذ
أصابع لوليتا ( يونس مارينا) حتى 2084 حكاية العربي الأخير ( آدم) ، مرورا ً بالبيت
الأندلسي و طوق الياسمين ومملكة الفراشة و أنثى السراب وغيرها من الروايات ، هذه المرة
إن كان قد تجسد واسيني في شخصية من الشخصيات سيكون قد لبس شخصية امرأة لا محالة حيث
كان جريئا ً و مرهفاً في إدخالنا في عمق هواجس المرأة و بواطنها.
الآن لو تركت لمشاعري الكلام لكتبت الكثير لكن علي أن أقف
هنا فقارئو الفيس بوك غالبا ً لا يحتملون النصوص الطويلة .
ملاحظة أخيرة : لجأ واسيني في رواية ( نساء كازنوفا ) و أيضا
ً ( 2084 حكاية العربي الأخير) إلى كتابة الكلمات الأجنبية بالأحرف العربية لا أدري
لماذا و ما الغاية من ذلك - انتظر توضيحه على ذلك -
بانتظار روايات قادمة من واسيني وقراءات أخرى عن روايات الآن
في صدد قراءتها أستميحكم عذراً على الإطالة مع نصيحتي لكم بقراءتها .
تمّام نصر 3/2 /2017





Leave a Comment